قبل أيام قلائل فقط قد رحل أبي عني وابقاني يتيمة أنوء بحزني ومصيبتي وتئن روحي كل ليلة كأنين ثكلى أردت واحدها المنية، كان افتجاعي برحيله كافيا لأن يهد كل طاقاتي وينثر قواي ذرات في يوم عاصف. أه وأه من عجزك يا اهتي المكروبة. أبي أتذكر عندما اصطحبتني وامي ذات يوم الى السوق وابتعت لي ساعة جعلتني أحب كل الساعات في الدنيا، كان يوما سعيدا يأوالدي لأنه اليوم الوحيد الذي أذكر فيه انني كنت خارج البيت معك ومع أمي، شعرت حينها بأنني أسعد طفلة على وجه الأرض، ولا أخفيك اين لازلت احتفظ في ذاكرتي بكل تفاصيل الساعة بل وحتى تفاصيل المكان والزمان.
(1)
أبي أتذكر اليوم الذي جئت فيه لأخذي مبكرة من المدرسة ولم تخبرني الى أين سنذهب؟وفوجئت حين رأيت نفسي أمام الممرضة التي كانت تحمل أبرة رأيتها الأكبر في حياتي، فأمسك بيدك بقوة واختبئت خلف ظهرك فأمسكت بي محاولا اقناعي بأن لا شيء مخيف مجرد وخزة وينتهي الأمر بسلام، وجن جنوني عندما أمسكتني لتضعني على السرير وحاولت الفرار من بين يديك فزعا من الممرضة الشريرة، أنا لا انسى يا أبي انك أغمضت عينيك حينها وعضضت شفتيك توجعا لألمي، ثم أخفيت ذلك وابتسمت وبدأت بممازحتي وكنت حينها قد غضبت منك وامتنعت عن كل شيء سوى البكاء والصراخ وكنت تثير جنوني بمزحك المتواصل وتبسمك،ذاك الوقت لم افهم لم كنت تضحك، وبعد ان كبرت قليلا عرفت انك أردت تخفيف المي،والدي أنا فقدتك وفقدت ابتسامتك الان.
(2)
أبي أتذكر لعبتنا المفضلة؟ حين كنت تفتح لي باعك كأكبر مايمكن واركض بكل سرعتي والضحكة ملء ألفاه، وارتمي بكل ما أوتيت من قوة باحضانك، كنت أبدا لا أمل من هذه اللعبة وكانت حماستها تزداد كثيرا كلما كان أحد من أبناء اخوتي ينافسني بالوصول الى حضنك أولا، ولأنني كنت الأكبر فقد كنت الأسرع ولا أحد يستطيع الحظي بارتماءة بين احضأنك إلا ان تنازلت أنا عن ذلك، واليوم يا أبي لا أجد حضنا القي نفسي فيه بكل تحرر وسعادة كحضك الذي خاب وخلف البؤس في قلبي.
(3)
أبي ان الذكرى التي تضحكني كثيرا وأصبحت تبكيني اليوم هي عندما كنت تركض خلفي وأبناء اخوتي واقفلت علي باب المخزن حتى لا نختبئ فيه دون ان تعلم اني كنت اختبئ هناك، كنت غاضبا جدا من الفوضى التي أحدثناها لكن الغريب جدا يا أبت انك لم تغضب مني أبدا مهما كان جرمي ولم اشعر بالخوف عندما إحكمت اغلاق الباب علي لأنني كنت على يقين تام بأنك لن تصرخ بوجهي أو تضربني ولو كنت تعلم بوجودي هناك لما كنت قد احتبستني، أبي ان كل ذرة من كياني تبكي حنينا وشوقا اليك.
(4)
لا انسى أبدا يا أبي حديثنا المتواصل كل ليلة قبل دخولي المدرسة وقفزاتي الكثيرة حولك وأنا أكلمك، أتذكر يا أبي حين كنت أحمل المشط لالعب الى ما لانهاية بشعرك ولم تكن تتضجر مني أو تبعدني عنك أبدا حتى وان المتك، أما زلت تذكر لهجتي الساخطة عندما كنت أقول بأن نعومة شعرك تفوق نعومة شعري بمراحل كثيرة، وهل تذكر عندما كنت تحلق رأسك وتأتي إلي أصلعا فأثور غاضبة لأنني أريد اللعب بشعرك واعاقبك بتمشيط. لحيتك غصبا وكنت تضحك كثيرا وتطمئنني بأن الشعر سينمو بعد بضعة أيام، وكما كنت أكثر المسح على رأسك، اليوم أصبح رأسي أحد رؤوس اليتامى الذي يمسح طلبا للفوز بالثواب، وشتان بين رأسك يا أبي وراسي.
(5)
والدي لا أنفك أذكر أولى أيامي الدراسية حين دأبت باحثا لي عن هدية لم يهدني أحد أجمل منها على مر السنين التي عشتها، كم كانت فرحتي كبيرة عندما جئت الى المنزل حاملا كتيبا صغيرا كان يحمل طابع القدم، "جزء عم" أجل كان جزء عم انني أراه الان في مخيلتي كيوم أهديتني إياه، ورحت اطير في المنزل فرحة به ولم ولم يبق أحد في عالمي الصغير إلا اريته هدية والدي القيمة، والتي لم أكن حينها أجيد قراءة شيء منها سوى الأحرف الأبجدية التي كانت في مقدمة الكتيب، وكنت أحمله كل يوم الى المدرسة وافخر بوالدي الذي أهداني كتابا في أول مسيرتي الدراسية.
(6)
كحلم كل فتاة يا أبي تمنيت ان تراني أرفل بفستان زفافي الأبيض، والى جانبي ذاك الكفؤ الصالح الذي لو كنت موجودا لساعدتني كثيرا في اختياره ولكنت ساشعر بطمانينة أكبر، وكانت دعواتك لي بالموفقية ستطربني أكثر من أي شيء في الوجود، أبت أنا حرمت من رؤية أجلى صور الفرحة على وجهك في مناسبة كبيرة كهذه، وسافقد دموع الفرح الجميلة التي كانت تبلل لحيتك عند تزويج بناتك، وتزداد الحسرة عندما اصطدم بحقيقة انني ان رزقت طفلا في يوم ما فلن تكون معي في اليوم الذي سأكون فيه أما، ولن تحمل طفلي وتلثمه وتداعبه وتدعو لطفلتك التي أصبحت أما.
(7)
في ذلك اليوم وقفت عند رأسك طويلا اتامل نور الايمان إلذي ملأ قلبك، رجوتك حينها ان لا ترحل عني وتتركني وحيدة اتخبط خبط عشواء في بيداء الدنيا، ومالبثت قليلا حتى تلقيت اتصال أمي تبلغني بأنك قد تركتني لليتم والحرمان ورحلت مبتعدا، عدت اليك والخبر في قلبي يتارجح بين الأكذوبة والحقيقة، كنت نائما يا أبي قبل خروجي وصرت ميتا بعد عودتي، لم استطع البكاء أبت لأن حزني بفقدك أكبر من الدموع، وأمسيت ذلك اليوم أسمع نواح أمي وأخواتي وصوت الفجيعة يملأ المكان، ولعل أعلى الاصوات كان صوت خفقان قلبي، أبي لقد كان يوما تجاوز كل قواي، هو اليوم الذي ارتديت فيه جلباب الأسى، وطفقت فيه أجر الحسرة بعد الاحسرة، من لي الان يا والدي؟ وعند من سأبقى طفلة مدللة لاتكبر على مدى الزمن؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق