الجمعة، 27 أبريل 2012

في تمام الساعة السابعة والعشرين


قد تتساءل ما سبب اختياري للساعة في هذا الموضع وأي زمن هذا الذي تجاوز الأربع وعشرين ساعة حتى أصبح سبعا وعشرين، بل إننا في زمن تقليص الأحجام، أحجام كل شيء، وعلينا أن نقلص الأربع والعشرين إلى النصف حتى نستطيع التعبير عن شدة التسارع الزمني، ولا تظن أنني ابتعدت عن هذا المعنى كثيرا، بل إنني اخترت الساعة ليصبح عمري مضغوطا كالشريحة الإلكترونية، فأنا في زمن قد انقرضت فيه الكلمات التي تشير إلى معاني الأعوام والأشهر والأيام، ولعلي في ساعتي القادمة (الثامنة والعشرين) أستخدم الدقيقة وأعقبها بالثانية وهكذا دواليك حتى تنفذ مفردات الأزمان.
من خصائص العدد 27 أنه ناتج تكعيب العدد (3³)، وأننا إذا استخدمنا معه قانون التقريب الرياضي فنجده أقرب إلى سماء الثلاثين منه إلى الأرضية العشرينية، كما أنه يرمز لولاية فلوريدا الامريكية، ويوجد فيلم جميل صدر عام 2008 باسم 27 dresses ، وهذا العدد هو مجموع عظام كف الانسان، ولا أحد ينكر فضل اليد في خدمة البشرية، والأهم من ذلك أنه أصبح يمثل ساعتي الزمنية التي سأعيشها في الدقائق القادمة.
العدد 27 عدد متواضع جدا في المجال الزمني لأنه لا يمثل عدد ساعات اليوم، وليس بداية سن المراهقة لدى الجنس البشري، ولا حتى العمر الذي يعطى فيه المواطن بطاقة الهوية ورخصة القيادة تباعا، بل ولا الرقم الذي إذا بلغته الأنثى في بلدي تعفى من تصاريح السفر التي يمن بها أحد المحارم عليها، إنه عدد عادي جدا، وطبيعي جدا، وبسيط جدا، ومتواضع جدا جدا، وهذا سر إعجابي به، لأنني شغوفة بكل ما يتسم بالبساطة والتواضع.
في الساعة السابعة والعشرون من عمري، لم يعد قلبي تواقا إلى الاحتفاء ببلوغها، فلست أريد فيها أن أحصل على تلك السوارة الذهبية الجميلة، أو الساعة المطعمة بذرات الألماس، ولا قنينة العطر الزكي، ولا هاتيك الأشياء التي تحمل اسم الماركة الفلانية وشعار المصمم العلاني، وخرج من نفسي كل انجذاب إلى أجهزة التواصل الالكترونية، ربما لأنني أشعر أن حصولي على هذه الأشياء هو ظلم لها قبل أن يكون ظلم لي، تماما كما تظلم النظارة بإعطائك إياها للأعمى فلا هو قادر على الاستفادة منها وهي لديه مسلوبة القدرة بممارسة دورها الطبيعي بإيضاح الصور والألوان، ولكثرة ما حاولت صديقتي أن تجتذب مني إجابة لا أملكها حول الشيء الذي أتمنى الحصول عليه كهدية بمناسبة تقدمي في السن، لم أجد إلا أمنيتي بأن أستشعر السعادة وأن أضع يدي على صدري لأجده ينبض بالحياة، وأرى وجهي نيرا بابتسامة كعرض السماء، أن أعيش لحظات كالحلم الذي نأسف عليه حين استيقاظنا ذات صباح، ولكن أنى ذلك؟!
يقال أن عمر الانسان يقاس بعطائه وانجازاته، وعليه فإنني أطرح "تجاوزا" ستا وعشرين عاما  و8759 ساعة من عمري واستبقي لي ساعة واحدة فقط لأقول أنها قد تساوي حجم عطائي وانجازاتي طيلة سبعا وعشرين ساعة، وقد تظن أنني أجحفت بهذه المعادلة حق نفسي لأقلص هنا أيضا حجم أفعالي إلى ساعة مهينة لا تكاد تبين، ولكنني لست من أهل الإجحاف ولست بآكلة من حقوقي الذاتية شيئا، وذلك أنني عندما استثنيت الأفعال التي قمت بها لأنه يجب علي القيام بها، والعطاء الذي قدمته لأن "عيب مانعطي" حسب قوانين العادات والتقاليد، والإنجازات التي كان هدفي من السعي ورائها هو توفير لقمة العيش، وكل أعمالي التي لم تكن فيها نسبة الأخلاص لله 100%، لن أجد ما يملأ هذه الساعة التي ذكرتها "تجاوزا"، فأنا لم أبخس نفسي شيئا حينما قلت بأن جميع إنجازاتها لا تتعدى الستون دقيقة، بل إنني أكرمتها بشيء من "التجاوز"، أليس كذلك؟!
أمنياتي للعدد 27 ليست سبعا وعشرين أمنية، وربما هي كذلك أو أكثر، ولكنني سأختصرها في ثلاث أمنيات ويمكنك أن تقوم بتكعيب الثلاثة لتنتج لك سبعا وعشرين أمنية متفرعة منها، الأولى هي التقدم للأمام بخطوة واسعة في جميع جوانبي، وأن ألتقي بأحبتي كثيرا، وأن تكون هذه ساعة الخلاص والفرج لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات.
إن إطفاء سبعا وعشرين شمعة من عمري دليل على تسارعي من الدنو لحظة بعد أخرى من الموت، أي اقترابي بشكل فائق السرعة للانتقال إلى حياة جديدة في عالم آخر، وهذا ما يجعلني أقف كثيرا لأسال نفسي: "ماذا قدمت لحياتي؟" الحياة الفعلية التي لا تفنى!

الحساسية من وجهة نظر حساسة


كنت قد انتهيت من تنظيف العلبة الضئيلة المليئة بالاتربة والأوساخ التي يطلق عليها تجاوزا اسم المخزن في مأتم البحارنة، وجلست مع صديقتي لأخذ قسط من الراحة وتناول وجبة خفيفة،فلم تمض إلا دقائق معدودة حتى شعرت بأن دبابيسا أقامت مهرجانا كبيرا للرقص على سطح قرنيتيّ، وكنوع من المشاركة مني في المهرجان، قمت ببعض الحركات البهلوانية وصرخات التشجيع مما زاد الاحتفال طربا وحفاوة وارتفاعا في مستوى التراقص حتى استيقظت كل جارحة غارقة في النوم من بدني.
عفوا ذلك لم يكن كرنفالا، توصلت إلى هذه الحقيقة عندما وجدت نفسي إلى جانب صديقتي في السيارة المتجهة إلى المشفى، حيث يقبع الدكتور يوسف كعادته في غرفة مليئة بالأجهزة تراقب حركات العين ولحظاتها وسكناتها، وهي من شدة ظلامها تشعرك بأنك في غرفة استجواب في إستخبارات أمن الدولة، نعم هذه هي غرفة فحص العضو الصغير اللطيف المسمى بالعين.
شخص الدكتور يوسف المهرجان الدبوسي على أنه تحسس شديد أدى إلى ظهور حبيبات كثيرة (كنت أحسبها دبابيسا راقصة)في الطبقة الداخلة من جفوني، والتي بدورها هيجت لدي الرغبة في حك عينيّ بلا انقطاع، فتفضل مشكورا بكتابة وصفة علاجية تعيد الاستقرار إلى المناطق الثائرة في أجزاء حدقتي، وتباعا ستهدأ بقية جوارحي.
السيد قوقل الموقر أعطاني تعريفا مختصرا للحساسية مفاده: أن الحساسية عبارة عن تفاعلات غير مألوفة لجسم دون آخر تجاه مواد معينة، قد تكون المادة المهيجة تقابل الجسم لأول مرة فترفع حساسيته ليتفاعل ضدها بشدة تكون أحيانا مميتة في تفاعل ثان مستقبلا. وتعالج الحساسية بمضادات الهستامين، وكشخص يعاني من الحساسية في بعض أجزاء جسمه، أصبح لدي إلمام ببعض تلك الاستطبابات التي هي في واقعها ليست إلا مسكنة ومهدئة للتهيج وليست علاجا شافيا.
بالنسبة لي الحساسية ليست مرضا إنما هي عبارة عن خلايا شقية متمردة، أو قل خارجة عن القانون الخليوي، وفي الحقيقة لا أجد تفسيرا لسبب المشاكسات التي تقوم بها هذه الخلايا المشاغبة المثيرة للفوضى في كل مكان، ربما لأنها ترفض التطور والتجديد فبالتالي تقوم بزعزعة الاستقرار كلما دخل شيء جديد من إحدى بوابات البدن، أو لعلها حسودة لا تحب أن ترى الخلايا المجاورة لها ناعمة بالهدوء والاستقرار فتهيج كلما رأت خلية منعمة مدللة، وربما تكون قد وصلت إلى حالة الانفجار والتمرد بسبب كبتها للضغوط النفسية لصاحبها، فتجدها تثور لأتفه الأسباب، بل حتى ضد الأشياء التي دخلت الجسد لإصلاحه، والتي قد لا تكون تقصد التعرض لها أصلا، وستجد ذلك جليا عندما تعاين أحد المرضى الذين تناولوا أدوية لعلاج التهابا في اللثة فأنتشرت البقع الحمراء البشعة في يديه وركبتيه وظهره، وهذا ما يجعلني أتساءل ما علاقة الركبة باللثة؟ ولا أجد ما أقوله سوى: "سبحان الله"!!
أما على صعيد الأنفس والشخصيات فهناك أيضا شخصية حساسة وهي التي تتأثر أكثر من اللازم بالعوامل الخارجية وتفسر الكلمات والنظرات والحركات تفسيرا مبالغا فيه لا معنى له وقد لا يمت للواقع بصلة، وهي تحرص كثيرا على آراء الآخرين بشأنها وغير مشاركة للآخرين بأفكارها وأحاسيسها الداخلية، وهي التي إن جرحتها بقصد أو بدونه فإنها لا تواجهك بما فعلت بل تتغير طريقة تعاملها معك كثيرا وتكتم كونها عاتبة عليك، ومن الجدير بالذكر أن بعض علماء النفس التحليلي يشيرون إلى أن ذوو الشخصيات الحساسة يكونون دائما متقدي الذهن ولديهم فصاحة منقطعة النظير ومقدرة فائقة على اتخاذ موقف ما وبسرعة.
كنت ولا زلت اعتقد بأنني إحدى الشخصيات الحساسة، فمنذ طفولتي تمنيت أن يرى العالم وخصوصا المقربين مني الأشياء من بنفس قدر الحساسية التي أرى من خلالها، ليعرفوا حقيقة ما أشعر به، وما الذي جعل تلك الكلمة تثيرني، وذلك الفعل يبكيني، بل وتمنيت أيضا أن يعيرني أحدهم نفسه ليوم واحد فقط لأشاهد الحياة دون عدسة مفرطة الحساسة.
علاقتي بالتحسس ليست سيئة إطلاقا، فأنا أحب هذه الصفة، فلولاها لما كنت أنا ولكنت شخصا آخر أجهله، وإن كانت تؤذيني في بعض الأحيان إلا أنني أحمد الله كثيرا على وجودها في أحايين كثيرة، وأزداد شكرا بعدما أقابل شخصيات متبلدة الحس متحجرة الجوهر، أشكال أناس وليسوا بأناس، فالإحساس دليل الحياة، وهنا اطرح سؤالا ظريفا أبحث له عن إجابة منذ مدة: هل إذا كان الشخص حساسا أكثر أي أن ذلك يعني أنه حي أكثر؟
التعامل مع الحساسين يحتاج إلى سياسة النفس الطويل، والصبر العظيم، وتنوع الأساليب، ودقة في اختيار الكلمات وطرق إلقائها، وتجنب الغضب، والهدوء والحنو، وحسن الاستماع، والتعاطف، وقبل ذلك كله معرفة أسباب الحساسية ومعالجتها إن أمكن أو تجنبها قدر المستطاع، ولا تتفاجئ إن كنت تتحدث مع أحد هذه الشخصيات ووجدته ينهار باكيا أمامك، أو يغرق في صمت عميق.
أمنية، وقد تظن بأن أمنيتي هي زوال الحساسية، ولكن ذلك أبعد ما يكون عن أمنياتي، وإن كنت أتمنى أن تخف حدتها نسبيا، وأعود لأمنيتي، وهي: أن يوضع ملصقا على كل شخصية حساسة تنبه الطرف الآخر لكيفية التعامل مع هذه الشخصية، تماما كالملصق الذي يوضع على الأطعمة المعلبة المذكورة عليه العبارة التالية: "للمصابين بالحساسية يحتوي هذا المنتج على الحليب، والقمح، والصويا"، وأقترح أن يكتب على ملصق الحساسين العبارة التالية: "معلومات للتعامل مع الحساس لاتنتقد، لا تصرخ، تحدث بهدوء، استمع، احتضن.
تحذير:سريع الاشتعال وقابل للانفجار".
الحساسية تعدت كونها شيئا خاصا بالبشر فأصبحت أراها في العديد من الأجهزة الالكترونية، تحت مسمى: "السنسر"، وربما كان مخترع هذه الحساسات مصاب بالحساسية أو ذو شخصية متحسسة، من يدري؟!
ومن عمق التحسس أرسل امتنانا كبيرا لصديقاتي اللواتي لعبن دور مضادات الهستامين صباح مساء، أحيي فيهن صبرهن الجميل، وتفانيهن في إخماد فوران حساسيتي، فهنّ مسكن أوجاعي النفسية، وهنّ من يجعلنّ نومي هانئا بعد معركة طويلة من الأخذ والرد في خلجاتي، وهنّ وقائي من الصدمات التحسسية المميتة، إنهن صورة بشرية لعقار الزيرتك العطوف وقطرة الباتناول الحنونة.

الرسالة حديث من القلب إلى القلب


ما أحبه في كتابة الرسائل أنها غير مقتضبة ولا تحتاج إلى مراجعة أو تقيد بأسلوب معين لأنها حديث من القلب إلى القلب، هي هكذا فقط، خفيفة، حلوة، تسر النفس.

كنت أكتب 5 رسائل على الأقل في الاسبوع لأقاربي في الإمارات والبحرين قبل أن يغزو منزلنا الانترنت، إي منذ طفولتي إلى سن المراهقة، وكانت كتابة الرسائل لها متعة خاصة تبتدء من زياة المكتبة للبحث عن الأوراق المزركشة وانتهاء بالصندوق المخصص لجمع رسائل البريد قرب منزلنا.
ولا زلت حتى اليوم أذكر فرحتي العارمة عندما يحضر والدي المرحوم البريد ويكون متأبطا الرسائل التي يلوح بينها ظرف معنون باسمي، كنت أقفز هنا وهناك عندما تصلني رسالة لأري جميع سكان المنزل ذلك الظرف السحري الذي طار وحط بحضني ونام بسرور.

ما الذي كانت تحمله تلك الوريقات لتشعرني بذلك الكم الهائل من السرور؟حتى أنني كنت أحملها معي يوميا إلى المدرسة لأقرأها كل ذات فراغ، ربما مصداقيتها، أو ترقب وصولها، أو لأنها تحمل كل مشاعر المرسل وتجعلك تعيشها وتلامسها وتقرأ روحه المتسللة بين الكلمات.
التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات التي قربت لنا كل بعيد رغم ما فيها من إيجابيات وسرعة وسهولة إلا أنها افقدتنا حلاوة المراسلة والكتابة، فقدنا لهفة الانتظار من حياتنا فبتنا كالآلة نرسل ونتلقى في نفس اللحظة وإذا تأخر الرد أقمنا الدنيا ولم نقعدها. 
ليتنا نعود قليلا إلى الوراء ونستخدم بعض الأساليب القديمة التي كانت من أروع الطرق التي نصوغ بها خواطرنا وأحاسيسنا تجاه الآخرين، ونرفل بحلاوة شوق الانتظار، انتظار وصول الكلمة، ووصول الرد عليها.