الجمعة، 27 أبريل 2012

الحساسية من وجهة نظر حساسة


كنت قد انتهيت من تنظيف العلبة الضئيلة المليئة بالاتربة والأوساخ التي يطلق عليها تجاوزا اسم المخزن في مأتم البحارنة، وجلست مع صديقتي لأخذ قسط من الراحة وتناول وجبة خفيفة،فلم تمض إلا دقائق معدودة حتى شعرت بأن دبابيسا أقامت مهرجانا كبيرا للرقص على سطح قرنيتيّ، وكنوع من المشاركة مني في المهرجان، قمت ببعض الحركات البهلوانية وصرخات التشجيع مما زاد الاحتفال طربا وحفاوة وارتفاعا في مستوى التراقص حتى استيقظت كل جارحة غارقة في النوم من بدني.
عفوا ذلك لم يكن كرنفالا، توصلت إلى هذه الحقيقة عندما وجدت نفسي إلى جانب صديقتي في السيارة المتجهة إلى المشفى، حيث يقبع الدكتور يوسف كعادته في غرفة مليئة بالأجهزة تراقب حركات العين ولحظاتها وسكناتها، وهي من شدة ظلامها تشعرك بأنك في غرفة استجواب في إستخبارات أمن الدولة، نعم هذه هي غرفة فحص العضو الصغير اللطيف المسمى بالعين.
شخص الدكتور يوسف المهرجان الدبوسي على أنه تحسس شديد أدى إلى ظهور حبيبات كثيرة (كنت أحسبها دبابيسا راقصة)في الطبقة الداخلة من جفوني، والتي بدورها هيجت لدي الرغبة في حك عينيّ بلا انقطاع، فتفضل مشكورا بكتابة وصفة علاجية تعيد الاستقرار إلى المناطق الثائرة في أجزاء حدقتي، وتباعا ستهدأ بقية جوارحي.
السيد قوقل الموقر أعطاني تعريفا مختصرا للحساسية مفاده: أن الحساسية عبارة عن تفاعلات غير مألوفة لجسم دون آخر تجاه مواد معينة، قد تكون المادة المهيجة تقابل الجسم لأول مرة فترفع حساسيته ليتفاعل ضدها بشدة تكون أحيانا مميتة في تفاعل ثان مستقبلا. وتعالج الحساسية بمضادات الهستامين، وكشخص يعاني من الحساسية في بعض أجزاء جسمه، أصبح لدي إلمام ببعض تلك الاستطبابات التي هي في واقعها ليست إلا مسكنة ومهدئة للتهيج وليست علاجا شافيا.
بالنسبة لي الحساسية ليست مرضا إنما هي عبارة عن خلايا شقية متمردة، أو قل خارجة عن القانون الخليوي، وفي الحقيقة لا أجد تفسيرا لسبب المشاكسات التي تقوم بها هذه الخلايا المشاغبة المثيرة للفوضى في كل مكان، ربما لأنها ترفض التطور والتجديد فبالتالي تقوم بزعزعة الاستقرار كلما دخل شيء جديد من إحدى بوابات البدن، أو لعلها حسودة لا تحب أن ترى الخلايا المجاورة لها ناعمة بالهدوء والاستقرار فتهيج كلما رأت خلية منعمة مدللة، وربما تكون قد وصلت إلى حالة الانفجار والتمرد بسبب كبتها للضغوط النفسية لصاحبها، فتجدها تثور لأتفه الأسباب، بل حتى ضد الأشياء التي دخلت الجسد لإصلاحه، والتي قد لا تكون تقصد التعرض لها أصلا، وستجد ذلك جليا عندما تعاين أحد المرضى الذين تناولوا أدوية لعلاج التهابا في اللثة فأنتشرت البقع الحمراء البشعة في يديه وركبتيه وظهره، وهذا ما يجعلني أتساءل ما علاقة الركبة باللثة؟ ولا أجد ما أقوله سوى: "سبحان الله"!!
أما على صعيد الأنفس والشخصيات فهناك أيضا شخصية حساسة وهي التي تتأثر أكثر من اللازم بالعوامل الخارجية وتفسر الكلمات والنظرات والحركات تفسيرا مبالغا فيه لا معنى له وقد لا يمت للواقع بصلة، وهي تحرص كثيرا على آراء الآخرين بشأنها وغير مشاركة للآخرين بأفكارها وأحاسيسها الداخلية، وهي التي إن جرحتها بقصد أو بدونه فإنها لا تواجهك بما فعلت بل تتغير طريقة تعاملها معك كثيرا وتكتم كونها عاتبة عليك، ومن الجدير بالذكر أن بعض علماء النفس التحليلي يشيرون إلى أن ذوو الشخصيات الحساسة يكونون دائما متقدي الذهن ولديهم فصاحة منقطعة النظير ومقدرة فائقة على اتخاذ موقف ما وبسرعة.
كنت ولا زلت اعتقد بأنني إحدى الشخصيات الحساسة، فمنذ طفولتي تمنيت أن يرى العالم وخصوصا المقربين مني الأشياء من بنفس قدر الحساسية التي أرى من خلالها، ليعرفوا حقيقة ما أشعر به، وما الذي جعل تلك الكلمة تثيرني، وذلك الفعل يبكيني، بل وتمنيت أيضا أن يعيرني أحدهم نفسه ليوم واحد فقط لأشاهد الحياة دون عدسة مفرطة الحساسة.
علاقتي بالتحسس ليست سيئة إطلاقا، فأنا أحب هذه الصفة، فلولاها لما كنت أنا ولكنت شخصا آخر أجهله، وإن كانت تؤذيني في بعض الأحيان إلا أنني أحمد الله كثيرا على وجودها في أحايين كثيرة، وأزداد شكرا بعدما أقابل شخصيات متبلدة الحس متحجرة الجوهر، أشكال أناس وليسوا بأناس، فالإحساس دليل الحياة، وهنا اطرح سؤالا ظريفا أبحث له عن إجابة منذ مدة: هل إذا كان الشخص حساسا أكثر أي أن ذلك يعني أنه حي أكثر؟
التعامل مع الحساسين يحتاج إلى سياسة النفس الطويل، والصبر العظيم، وتنوع الأساليب، ودقة في اختيار الكلمات وطرق إلقائها، وتجنب الغضب، والهدوء والحنو، وحسن الاستماع، والتعاطف، وقبل ذلك كله معرفة أسباب الحساسية ومعالجتها إن أمكن أو تجنبها قدر المستطاع، ولا تتفاجئ إن كنت تتحدث مع أحد هذه الشخصيات ووجدته ينهار باكيا أمامك، أو يغرق في صمت عميق.
أمنية، وقد تظن بأن أمنيتي هي زوال الحساسية، ولكن ذلك أبعد ما يكون عن أمنياتي، وإن كنت أتمنى أن تخف حدتها نسبيا، وأعود لأمنيتي، وهي: أن يوضع ملصقا على كل شخصية حساسة تنبه الطرف الآخر لكيفية التعامل مع هذه الشخصية، تماما كالملصق الذي يوضع على الأطعمة المعلبة المذكورة عليه العبارة التالية: "للمصابين بالحساسية يحتوي هذا المنتج على الحليب، والقمح، والصويا"، وأقترح أن يكتب على ملصق الحساسين العبارة التالية: "معلومات للتعامل مع الحساس لاتنتقد، لا تصرخ، تحدث بهدوء، استمع، احتضن.
تحذير:سريع الاشتعال وقابل للانفجار".
الحساسية تعدت كونها شيئا خاصا بالبشر فأصبحت أراها في العديد من الأجهزة الالكترونية، تحت مسمى: "السنسر"، وربما كان مخترع هذه الحساسات مصاب بالحساسية أو ذو شخصية متحسسة، من يدري؟!
ومن عمق التحسس أرسل امتنانا كبيرا لصديقاتي اللواتي لعبن دور مضادات الهستامين صباح مساء، أحيي فيهن صبرهن الجميل، وتفانيهن في إخماد فوران حساسيتي، فهنّ مسكن أوجاعي النفسية، وهنّ من يجعلنّ نومي هانئا بعد معركة طويلة من الأخذ والرد في خلجاتي، وهنّ وقائي من الصدمات التحسسية المميتة، إنهن صورة بشرية لعقار الزيرتك العطوف وقطرة الباتناول الحنونة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق