قد تتساءل ما سبب اختياري للساعة في هذا الموضع وأي زمن هذا الذي تجاوز الأربع وعشرين ساعة حتى أصبح سبعا وعشرين، بل إننا في زمن تقليص الأحجام، أحجام كل شيء، وعلينا أن نقلص الأربع والعشرين إلى النصف حتى نستطيع التعبير عن شدة التسارع الزمني، ولا تظن أنني ابتعدت عن هذا المعنى كثيرا، بل إنني اخترت الساعة ليصبح عمري مضغوطا كالشريحة الإلكترونية، فأنا في زمن قد انقرضت فيه الكلمات التي تشير إلى معاني الأعوام والأشهر والأيام، ولعلي في ساعتي القادمة (الثامنة والعشرين) أستخدم الدقيقة وأعقبها بالثانية وهكذا دواليك حتى تنفذ مفردات الأزمان.
من خصائص العدد 27 أنه ناتج تكعيب العدد (3³)، وأننا إذا استخدمنا معه قانون التقريب الرياضي فنجده أقرب إلى سماء الثلاثين منه إلى الأرضية العشرينية، كما أنه يرمز لولاية فلوريدا الامريكية، ويوجد فيلم جميل صدر عام 2008 باسم 27 dresses ، وهذا العدد هو مجموع عظام كف الانسان، ولا أحد ينكر فضل اليد في خدمة البشرية، والأهم من ذلك أنه أصبح يمثل ساعتي الزمنية التي سأعيشها في الدقائق القادمة.
العدد 27 عدد متواضع جدا في المجال الزمني لأنه لا يمثل عدد ساعات اليوم، وليس بداية سن المراهقة لدى الجنس البشري، ولا حتى العمر الذي يعطى فيه المواطن بطاقة الهوية ورخصة القيادة تباعا، بل ولا الرقم الذي إذا بلغته الأنثى في بلدي تعفى من تصاريح السفر التي يمن بها أحد المحارم عليها، إنه عدد عادي جدا، وطبيعي جدا، وبسيط جدا، ومتواضع جدا جدا، وهذا سر إعجابي به، لأنني شغوفة بكل ما يتسم بالبساطة والتواضع.
في الساعة السابعة والعشرون من عمري، لم يعد قلبي تواقا إلى الاحتفاء ببلوغها، فلست أريد فيها أن أحصل على تلك السوارة الذهبية الجميلة، أو الساعة المطعمة بذرات الألماس، ولا قنينة العطر الزكي، ولا هاتيك الأشياء التي تحمل اسم الماركة الفلانية وشعار المصمم العلاني، وخرج من نفسي كل انجذاب إلى أجهزة التواصل الالكترونية، ربما لأنني أشعر أن حصولي على هذه الأشياء هو ظلم لها قبل أن يكون ظلم لي، تماما كما تظلم النظارة بإعطائك إياها للأعمى فلا هو قادر على الاستفادة منها وهي لديه مسلوبة القدرة بممارسة دورها الطبيعي بإيضاح الصور والألوان، ولكثرة ما حاولت صديقتي أن تجتذب مني إجابة لا أملكها حول الشيء الذي أتمنى الحصول عليه كهدية بمناسبة تقدمي في السن، لم أجد إلا أمنيتي بأن أستشعر السعادة وأن أضع يدي على صدري لأجده ينبض بالحياة، وأرى وجهي نيرا بابتسامة كعرض السماء، أن أعيش لحظات كالحلم الذي نأسف عليه حين استيقاظنا ذات صباح، ولكن أنى ذلك؟!
يقال أن عمر الانسان يقاس بعطائه وانجازاته، وعليه فإنني أطرح "تجاوزا" ستا وعشرين عاما و8759 ساعة من عمري واستبقي لي ساعة واحدة فقط لأقول أنها قد تساوي حجم عطائي وانجازاتي طيلة سبعا وعشرين ساعة، وقد تظن أنني أجحفت بهذه المعادلة حق نفسي لأقلص هنا أيضا حجم أفعالي إلى ساعة مهينة لا تكاد تبين، ولكنني لست من أهل الإجحاف ولست بآكلة من حقوقي الذاتية شيئا، وذلك أنني عندما استثنيت الأفعال التي قمت بها لأنه يجب علي القيام بها، والعطاء الذي قدمته لأن "عيب مانعطي" حسب قوانين العادات والتقاليد، والإنجازات التي كان هدفي من السعي ورائها هو توفير لقمة العيش، وكل أعمالي التي لم تكن فيها نسبة الأخلاص لله 100%، لن أجد ما يملأ هذه الساعة التي ذكرتها "تجاوزا"، فأنا لم أبخس نفسي شيئا حينما قلت بأن جميع إنجازاتها لا تتعدى الستون دقيقة، بل إنني أكرمتها بشيء من "التجاوز"، أليس كذلك؟!
أمنياتي للعدد 27 ليست سبعا وعشرين أمنية، وربما هي كذلك أو أكثر، ولكنني سأختصرها في ثلاث أمنيات ويمكنك أن تقوم بتكعيب الثلاثة لتنتج لك سبعا وعشرين أمنية متفرعة منها، الأولى هي التقدم للأمام بخطوة واسعة في جميع جوانبي، وأن ألتقي بأحبتي كثيرا، وأن تكون هذه ساعة الخلاص والفرج لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات.
إن إطفاء سبعا وعشرين شمعة من عمري دليل على تسارعي من الدنو لحظة بعد أخرى من الموت، أي اقترابي بشكل فائق السرعة للانتقال إلى حياة جديدة في عالم آخر، وهذا ما يجعلني أقف كثيرا لأسال نفسي: "ماذا قدمت لحياتي؟" الحياة الفعلية التي لا تفنى!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق